|
امنحني تجربتك ( نفحات ربانية !! )
قال الراوي :
حين أمضي إلى المسجد مبكراً إلى الصلاة في أول وقتها ، لأشارك الملائكة السجود والركوع بين يدي الله جل في علاه ، أجد في قلبي هزة انتشاء ، ونسمة فرحة .
أما حين أجد نفسي أركع خاشعا ، واسجد خاضعا ، وأدعو متضرعا ، وأناجي ربي منكسراً ، فإنه تعتريني لحظتها مشاعر عجيبة ، لا تعبر عنها الكلمة مهما كانت بليغة ، ولا يصفها البيان ، مهما كان المرء فصيحا ..!
لحظة لا أحسبها من هذه الدنيا في شيء ، بل هي من لحظات الآخرة ، ولا ترتبط بهذه الأرض ، بل هي بنت السماء ..!
وإليك بعض ما استطعت التقاطه وتسجيله ، من تلك المشاعر والأحاسيس العجيبة، التي تتولد في قلبي ، حين أجد نفسي أبكر للصلاة في أول وقتها ، وأركع وأسجد خاشعا ، خشوعا قد تترقرق معه دمعة :
إحساس بسعادة قلبية غامرة تكاد تفيض من عيني وعلى لساني ،ومن كل جارحة ! سعادة أشعر معها أني قادر أن أحتضن هذا العالم كله في حضني ، وأضمه إلى صدري ، وأفيض عليه من روحانية تلك اللحظة !
إحساس بمتعة روحية تتصاغر معها ، وبين يديها كل متع الشهوات الدنيوية ، حتى أني أكاد أقول بملء صوتي ، لكل المعرضين عن ربهم ، الوالغين في بحر شهواتهم : يا حسرة على العباد .. !
إحساس بأني قريب ، جد قريب من ربي ومولاي وسيدي وخالقي جل في علاه !
قرب يغمس هذه الروح في بحر النور ، تغرف منه ولا تروى !
إحساس بالفخر ، أن الله سبحانه بكرمه اختارني لأكون من عباده المقبلين عليه ، اللاهجين بذكره ، الراكعين الساجدين بين يديه .. فخر يجعلني أتجاوز تخوم النجوم !
وإذا كان الشاعر قد قال :
ومما زادني فخراً وتيها ** وكدت بأخمصي أطأ الثريا
دخولي تحت قولك يا عبادي ** وأن صيرت أحمد لي نبيا
فإن شعوري أني تجاوزت هذا بكثير ، وما بين مشاعري في تلك الساعة ، ومشاعر القائل أبعد مما بين السماء والأرض ، وسر ذلك أن الشاعر أخذته هذه الهزة ، التي قذفت به إلى سماء السماء ، لأنه استشعر أنه من أمة الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم ، ولم يذكر ركوعا ولا سجوداً ، ولا بكاء بين يدي الله ..!
أما إحساس الراكع الساجد الخاشع المتذلل لله فشيء آخر ..!
إحساس بأن الله سبحانه راضٍ عني ، وفي تحصيل رضا الله جنة الدنيا ..!
إحساس أن الله يحبني ! وإلا لما وفقني إلى أن أكون من أوليائه وأحبابه المقبلين عليه ، وهذه النسمة إذا هبت قذفت بك إلى الجنة مباشرة !
إحساس بالاستعلاء على هوى النفس رغم ضغطه ، والاستعلاء على وساوس الشيطان رغم عتوه ومكره ..!
إحساس بالتميز الحقيقي ، الذي استشعر معه أن كل ألوان التميز الأخرى دونه بكثير ، بل لا يصح بحال أن تقارن به..وهل يصح أن تقارن بين الفحم والألماس!
إحساس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم راض عني ، حيث أني أحاول أن أجعل خطواتي على وقع خطواته ، في عبادته ، في ركوعه وسجوده ومناجاته..
إحساس أني أتشبه بالملائكة الكرام ، وهم يبادرون إلى الطاعة ، ويلازمونها ، مبتهجين بها ، فرحين معها ، هي حياتهم وسر وجودهم !
إحساس أن لي مكانة طيبة عند الله سبحانه ، ومنزلة حسنة ، فقد قيل : إذا أردت أن تعرف مقامك ، فانظر أين أقامك .. وها أنا الآن أرى أنه أقامني في خدمته ، وأقبل بي عليه ، وحبب إلى قلبي الركوع السجود بين يديه ..!
إحساس أن حياتي في ذلك اليوم ستكون أجمل وأفضل ولا أروع !
إحساس أن الدنيا تهتز لي ، وترحب بي ، وتتهلل حين تراني منصرفا من صلاتي ، لأخوض غمارها بشحنة النور التي أكرمني الله بها في تلك الساعة !
إحساس بأني أقوى بكثير مما كنت أتصور ، وأن صلاتي هذه ، هي سر قوتي وسر سعادتي ..! وأني كلما ازددت حرصا عليها ، ازددت قوة على قوتي ، وتضاعفت سعادتي .. وتجددت مشاعر البهجة في أجزاء قلبي .!
إحساس بأني أسير في طريق الجنة سيراً صحيحا لا وهم فيه ، ولا شك ، وهل للجنة طريق غير طريق الصلاة والركوع والسجود ، وتجديد العهد مع الله تعالى مع كل صلاة ، وقد قالوا قديما : من أضاع الطريق إلى المسجد ، فقد أضاع الطريق إلى الجنة ..!؟
ومشاعر غير هذه كثيرة ومتنوعة ، أه لو استطعت أن أسوقها كلها ، وبلغة تمكن القارئ العزيز أن يعيش تلك الأحاسيس ، ويتفاعل معها ، ويجد صداها ، كأنها وليدة قلبه ، لا مجرد قارئ لها ، إذن لرأيت ثم رأيت شيئا بديعاً مذهلاً ..!
وإني لأحسب أن مثل هذه النفحات _ وإن كانت قليلة متقطعة _ تدخل في قوله صلى الله عليه وسلم : ألا إن في أيام دهركم لنفحات فتعرضوا لنفحات ربكم .. أو كما قال صلى الله عليه وسلم ..
وأحسب أن مثل هذه المعاني والمشاعر تبقي القلب مشدوداً إلى الله ، في حالة تشوق وترقب وتلهف ، حريصا على الطاعة في أول وقتها ، لعل الله يكرمه بمثل تلك النفحات التي تصقل قلبه ، وتجدد إيمانه ، وتشف معها روحه ..
وعلى كل حال .. أنوه إلى أمرين ..
هذه المشاعر والأحاسيس لا تنصب كلها دفعة واحدة ، في ذات اللحظة ، بل أجد بعضها يوما ، وبعضها الآخر يوماً ، فتختلف أطباق هذه المائدة ، وتتنوع بين اليوم اليوم .. ولعل حكمة ذلك ، أن يبقى قلبي متجددا في كل مرة ، مترقبا أطباقا أخرى جديدة ذات نكهة مختلفة في المرة التالية ..!
الأمر الثاني الذي ننوه إليه : أن هذه المشاعر لا تصحبني في كل يوم ، ولا مع كل صلاة ، وليت الأمر كذلك ، إذن سأكون ملاكاً كريما في صورة بشر !!
لكن هذه النسائم تهب على قلبي بين الحين والحين ، على فترات متقطعة ، ولعل لله حكمة جليلة في ذلك ، صحيح أنني أحيانا أنصرف عن الصلاة تنتابني رغبة في البكاء ، لأني فقدت هذه المشاعر يومها ، ولكن أعود فأقول : لابد أن لله حكمة في ذلك ، ولابد أن أكون قد سرحت وسهوت في صلاتي ، فلم يجتمع لي قلبي فيها ، وتغير مؤشره إلى غير جهة السماء ، فشيء طبيعي أن لا يلتقط موجات السماء ، وفي هذا إشارة لي أن أجاهد نفسي في الصلاة التي تليها ، لأجمع قلبي بين يدي ربي ، ليتجه بكليته إلى السماء ، حتى يتيسر له التقاط نفحاتها ..!
ولعل من حكمة ذلك : أن الله لطيف بي ، رحيم لأنه هذه المشاعر والأحاسيس لو دامت لعلها تكون سبب هلاكي !! ذلك أنه قد يتولد معها عجباً وغرورا ، وانتفاخا على الناس ، ونظرة إلى الآخرين على أنهم همج وهمل ، وأنني وأنني !!
وكل هذا مهلك لصاحبه .. فالحمد لله الذي رفق بي ، ولطف .. وبالله التوفيق ..
كتبها بو عبدالرحمن |